المقريزي

137

المقفى الكبير

الرجال وأهلكت العيال . ثمّ قالت : إنّي قد قلت في الأمير قولا . قال : هاتي . فأنشأت تقول [ الطويل ] : أحجّاج ، لا يفلل سلاحك ، إنّما ال * منايا بكفّ اللّه حيث يراها أحجّاج ، لا تعطي العداة مناهم * ولا اللّه يعطي للعداة مناها إذا هبط الحجّاج أرضا مريضة * تتبّع أقصى دائها فشفاها شفاها من الداء العقام الذي بها * غلام إذا هزّ القناة سقاها « 1 » فقال : لا تقولي : غلام قولي : همام ! ( قالت : ) 5 سقاها فروّاها بشرب سجاله * دماء رجال حيث مال حشاها إذا سمع الحجّاج رزّ كتيبة * أعدّ لها قبل النزول قراها « 2 » أعد لها مسمومة فارسية * بأيدي رجال يحلبون صراها « 3 » فما ولد الأبكار والعون مثله * ببحر ولا أرض يجفّ ثراها فقال الحجّاج : قاتلها اللّه ! واللّه ما أصاب صفتي شاعر منذ دخلت العراق غيرها . ثمّ التفت إلى عنبسة [ بن سعيد ] فقال : واللّه إنّي لأعدّ للأمر عسى أن لا يكون أبدا . والتفت إليها فقال : حسبك ! فقالت : قد قلت أكثر من هذا . فقال : حسبك ، ويحك ، حسبك ! ( ثمّ قال : ) يا غلام ، اذهب بها إلى فلان وقل له : اقطع لسانها . فذهب بها فقال : يقول لك الأمير : اقطع لسانها . فاستدعى الحجّام ، فالتفتت إليه وقالت : ثكلتك أمّك ، أما سمعت ما قال ؟ إنما أمرك أن تقطع لساني بالبرّ والصلة . فبعث إلى الحجّاج يستثبته ، فاستشاط غضبا وهمّ بقطع لسانه ، فقال : « ارددها ! » فلمّا دخلت عليه قالت : « كاد واللّه أيّها الأمير يقطع مقولي » . ثمّ أنشأت تقول [ البسيط ] : حجّاج ، أنت الذي ما فوقه أحد * إلّا الخليفة والمستغفر الصمد [ 336 أ ] حجّاج أنت شهاب الحرب إن * لقحت وأنت للناس نور في الدجى يقد فأقبل على جلسائه ، فقال : أتدرون من هذه ؟ قالوا : لا واللّه أيّها الأمير ، إلّا أنّنا لم نر امرأة قطّ أفصح لسانا ، ولا أحسن محاورة ، ولا أملح وجها ، ولا أرصن شعرا منها . فقال : هذه ليلى الأخيليّة التي مات توبة بن الحميّر الخفاجي في حبّها . ثمّ قال لها : أنشدينا يا ليلى بعض ما قال توبة فيك . قالت : نعم ، أيّها الأمير ، هو الذي يقول [ الطويل ] « 4 » : وهل تبكين ليلى إذا متّ قبلها * وقام على قبري النساء الصوائح كما لو أصاب الموت ليلى بكيتها * وجاد لها دمع من العين سافح

--> - تدع لنا فصيلا ولا ربعا ، والربع : فصل الربيع . ( 1 ) الداء العقام : الذي لا يرجى منه برء . ( 2 ) الرزّ بالكسر : صوت الرعد . ( 3 ) الصرى : البقيّة من اللبن في الضّرع . ( 4 ) انظر ديوان توبة بن الحمير ص ص 48 - 50 تحقيق خليل إبراهيم العطيّة بغداد 1968 .